يحلل يونس ييزيزاو تحوّل الدور العسكري المصري في السودان من دعم غير مباشر إلى انخراط أكثر وضوحًا وتأثيرًا. بدأ هذا الدور بتقديم إسناد هادئ للجيش السوداني، ثم تطور إلى عمليات جوية مزعومة، وتنسيق ميداني، وتقارير عن وجود عناصر مصرية قرب خطوط القتال، وصولًا إلى سقوط ضحايا من الضباط المصريين، ما جعل الفصل بين الدعم والمشاركة المباشرة أمرًا صعبًا.
يوضح هورن ريفيو أن جذور هذا الانخراط تعود إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث ارتبطت مصر بعلاقات أمنية طويلة مع الخرطوم، وسعت للحفاظ على استقرار حدودها الجنوبية. تواجدت قوات وطائرات مصرية في قاعدة مروي ضمن تدريبات مشتركة، لكن سيطرة قوات الدعم السريع على القاعدة واحتجاز جنود مصريين كشفت مدى قرب القاهرة من أحد أطراف النزاع، رغم تأكيدها أن دورهم اقتصر على التدريب.
من الدعم غير المباشر إلى الاتهامات بالضربات الجوية
استمر الدعم المصري خلال العام التالي في صورة لوجستية واستخباراتية، مع دعوات رسمية لوقف إطلاق النار. لكن تصاعد القتال غيّر المعادلة. في أكتوبر 2024، اتهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) سلاح الجو المصري بتنفيذ ضربات قرب جبل موية، مؤكدًا أنها ساعدت في تراجع قواته.
نفت القاهرة هذه الاتهامات، لكنها واجهت تصاعدًا في الشكوك حول دورها الحقيقي. ومع الوقت، بدأت صورة مصر كوسيط محايد تتآكل، لتحل محلها صورة طرف يسعى لحسم موازين القوة.
تحولات ميدانية تفرض واقعًا جديدًا
شهد عام 2025 نقطة تحول مع سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور، ما عزز نفوذ قوات الدعم السريع وأثار مخاوف مصر من تفكك السودان. لم تَرَ القاهرة في هذا التطور مجرد خسارة لحليف، بل تهديدًا استراتيجيًا قد يغير موازين الأمن الإقليمي.
أدى سيطرة الدعم السريع على مناطق حدودية ومسارات تجارة وتهريب إلى تعقيد الحسابات، خاصة مع ارتباط هذه المسارات بليبيا وتشاد. ومع تزايد المخاطر، كثّفت مصر تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية، حيث أجرى رئيس الأركان أحمد فتحي خليفة زيارات سريعة إلى السعودية ثم بورتسودان.
في الوقت نفسه، أشارت تقارير إلى تنفيذ ضربات جوية مصرية ضد قوافل إمداد تابعة للدعم السريع، إضافة إلى نشاط طائرات مسيّرة انطلقت من قاعدة قرب الحدود السودانية، ما يعكس مستوى أعمق من الانخراط العسكري.
تنسيق عسكري ومخاطر متصاعد
وسّعت مصر تعاونها مع الجيش السوداني عبر إنشاء غرف عمليات مشتركة في شمال كردفان، ثم في الأبيض، بهدف تنسيق العمليات والإمداد والمعلومات. كما زار مسؤولون مصريون كبار السودان لإجراء مشاورات سياسية وأمنية، ما يعكس تحولًا نحو تنسيق مؤسسي أوسع.
بلغ التصعيد ذروته في 2026، حيث أسفرت ضربات بطائرات مسيّرة عن مقتل ضابط مصري رفيع وعدد من الأفراد. كشفت هذه الحادثة انكشاف القوات المصرية لمخاطر القتال المباشر، ما أضعف رواية اقتصار دورها على التدريب.
تحدثت تقارير لاحقًا عن محاصرة وحدة مصرية كبيرة في ولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية، حيث واجهت ضغوطًا للاستسلام دون شروط. رغم محدودية الأدلة، تعكس هذه الواقعة احتمال انتقال مصر من التأثير عن بُعد إلى التورط المباشر في ساحة المعركة.
حسابات إقليمية ورهانات استراتيجية
ترتبط هذه التحركات بسعي مصر للحفاظ على نظام سياسي في السودان يتماشى مع مصالحها، خاصة فيما يتعلق بأمن الحدود وملف مياه النيل. ترى القاهرة أن وجود سلطة غير مستقرة أو معادية في الخرطوم يهدد قدرتها على التأثير في المنطقة.
اعتمدت مصر تاريخيًا على مزيج من الضغط السياسي وبناء التحالفات داخل السودان لضمان هذا التوازن. كما تعاونت مع قوى إقليمية تشترك معها في المخاوف، مثل إريتريا، التي دعمت فصائل موالية للجيش السوداني وساهمت في تسهيل الدعم اللوجستي.
بين المكاسب قصيرة المدى والمخاطر الطويلة
تكشف هذه التطورات معضلة استراتيجية واضحة. تسعى مصر إلى حماية مصالحها ومنع الفوضى، لكنها تخاطر بالانزلاق إلى صراع مفتوح. كلما زاد انخراطها العسكري، تراجعت قدرتها على لعب دور الوسيط، وارتفعت احتمالات التصعيد والردود المضادة.
قد تحقق القاهرة مكاسب مؤقتة عبر دعم حليف يعتمد عليها، لكن تعمّقها في الحرب يفتح الباب أمام استنزاف طويل وتداعيات اقتصادية وأمنية. في النهاية، لا يكمن التحدي في تشخيص التهديد، بل في طريقة التعامل معه، حيث قد يحوّل التدخل العسكري الأزمة إلى عبء ممتد بدلًا من حلٍّ مستدام.

